
أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إحراز تقدم ملموس في مسارات “خارطة الطريق” السياسية، معلنةً الاقتراب من إنهاء أعمال “الاجتماع المصغر” (لجنة 4+4) المعني بحسم الخلافات الانتخابية، بالتوازي مع اختتام الحوار المهيكل، والتأهب لبدء المشاورات المتعلقة بتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الوطنية للوصول بالبلاد إلى الانتخابات.
جاء ذلك خلال إحاطة شاملة قُدّمتها الممثلة الخاصة للأمين العام ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، السيدة هانا تيتيه إلى مجلس الأمن الدولي، أُحيط فيها الأعضاء علماً بآخر المستجدات على الساحتين السياسية والأمنية، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد.
الأزمة المؤسسية وسوء الحوكمة
وأوضحت الإحاطة أن انقطاعات التيار الكهربائي واسعة النطاق والأزمة المائية الأخيرة، وسط موجات الحر، كشفت بوضوح عواقب التشظي المؤسسي، ونقص الاستثمار، وغياب التنسيق، وتحويل الموارد العامة، واصفةً إياها بـ “إخفاقات الحوكمة”. وأكدت البعثة أن العملية السياسية لا تهدف فقط لإنهاء الانقسام، بل لاستعادة قدرة الدولة على إدارة مواردها وإتاحة الخدمات الأساسية وبناء الأمن والاستقرار.
تقدم في مسارات خارطة الطريق
وسلّطت الإحاطة الضوء على هيكلية خارطة الطريق القائمة على ثلاثة أركان متكاملة:
المسار الانتخابي: إنشاء “الاجتماع المصغر” (4+4) لحلحلة الانسداد السياسي، حيث عقد 7 اجتماعات (ويُرتقب انعقاد الثامن في 20 أغسطس) شارف خلالها على إنهاء معالجة النقاط الخلافية في الإطار القانوني والدستوري وتشكيل مجلس إدارة مفوضية الانتخابات.
الحوار المهيكل: الاختتام الناجح للمسار في 6 يونيو الماضي، والذي قدم توصيات شاملة في مجالات الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، المصالحة، وحقوق الإنسان لِتُشكّل إطاراً وطنياً للإصلاح.
توحيد المؤسسات: الاستعداد لبدء المشاورات مع الأطراف الليبية والشركاء الدوليين للانتقال إلى مرحلة توحيد الحكومة والمؤسسات التنفيذية لتهيئة البلاد للاقتراع.
الشؤون المالية والضغوط على “المركزي”
وحذّرت تيتيه من المفارقة المتمثلة في إنفاق ما يقارب مليار دولار شهرياً على واردات الوقود، مقابل استمرار تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، مشيرة إلى أدلة تُثبت تهريب وتحويل الوقود المدعوم.
كما تطرقت إلى التطورات المالية الأخيرة، بما فيها الزيادات غير المدروسة في النفقات الجارية (كالمكتبين العسكريين في الشرق والغرب)، والرسالة التي قدمها محافظ مصرف ليبيا المركزي في 9 أغسطس لطلب إعفائه من منصبه، داعيةً إلى دعم استقلالية المصرف واستئناف نشر بيانات الإيرادات والنفقات شهرياً تعزيزاً للشفافية.
الملف الأمني والتطورات الميدانية
وفي الجانب الأمني، دعت البعثة إلى وقف التصعيد وضبط النفس، مستعرضةً أبرز الأحداث:
العاصمة طرابلس: التوصل إلى اتفاق ترتيبات أمنية بين الحكومة وجهاز الردع ساهم في خفض التوتر.
الساحل الغربي (الزاوية وصرمان): إدانة الاشتباكات العنيفة واستخدام الطائرات المسيرة واستهداف مصفاة الزاوية النفطية، مع الترحيب بتشكيل “لجنة الترتيبات الأمنية للمنطقة الغربية” ونشر قوة مشتركة على الطريق الساحلي.
بنغازي: إدانة حادثة اغتيال اللواء فوزي منصور عبر تفجير سيارة مفخخة في 10 أغسطس، والدعوة لتحقيق عاجل.
المؤسسة العسكرية: الترحيب بالاجتماع الإيجابي الذي ضم رئيسي الأركان (صلاح الدين النمروش وخالد حفتر) في سرت يوم 12 يوليو، والتوافق على إنشاء قوة حدودية مشتركة وتنسيق البرامج التدريبية.
حقوق الإنسان والملف الإنساني والمناخ
وشدد تيتيه على ضرورة حماية حقوق المرأة ومشاركتها في الحياة العامة، معربة عن القلق تجاه خطاب الكراهية، والترحيب بالتحقيق في واقعة الاعتداء على امرأة في سبها. كما دعت إلى ترجمة مخرجات مؤتمر بنغازي للعدالة والإصلاح إلى خطوات عملية كالإفراج عن المحتجزين تعسفياً.
وفي الملف الإنساني، دعت البعثة إلى حماية اللاجئين والمهاجرين وإعادة فتح المجال أمام المنظمات الأممية كـ UNHCR. كما رحّبت باعتماد “الإطار الاستراتيجي للمناخ” وخطط التكيف الوطنية لمواجهة التحديات البيئية والأمن المائي.
واختتمت البعثة إحاطتها بالـتأكيد على أن تحقيق التقدم يظل ممكناً ويتطلب إرادة سياسية وتنازلات متبادلة من الأطراف الليبية، مشددة على التزامها الموصول بدعم الليبيين في بناء مؤسسات شرعية وموحدة.
