سلبيات و إيجابيات

ليبيا تحت تهديد الجفاف: تقارير دولية تحذر من أزمة عطش هيكلية تقوض الاستقرار


تواجه ليبيا واحدة من أخطر الأزمات البيئية والاقتصادية في تاريخها الحديث، حيث باتت تصنف كإحدى أكثر دول منطقة المغرب العربي وعموم شمال إفريقيا عرضةً لنقص المياه الحاد، وسط تحذيرات أممية من تداعيات استنزاف المخزونات غير المتجددة.
وفي تقرير نشرته صحيفة “لوكورييه إنترناسيونال” الفرنسية، استناداً إلى تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، سُلّط الضوء على الواقع المائي المعقد في البلاد؛ إذ يعيش نحو 93% من المساحة الجغرافية لليبيا تحت وطأة مناخ صحراوي جاف، لا يتجاوز فيه معدل هطول الأمطار السنوي حاجز الـ 100 ملليمتر.
عقود من استنزاف “المياه الأحفورية”
على مدى العقود الماضية، اعتمدت ليبيا بشكل شبه كلي (بنسبة تتجاوز 95%) على استخراج المياه الجوفية القابعة في الأحواض العميقة بالجنوب الليبي لتلبية الاحتياجات السكانية والزراعية في مدن الشمال الكثيفة. وتُصنف هذه المياه بأنها “أحفورية غير متجددة”، ما يعني أن معدلات السحب الحالية تفوق بكثير معدلات التغذية الطبيعية المعدومة أصلاً بسبب التغير المناخي.
هذا الاعتماد المفرط فرض تحديات لوجستية وأمنية هائلة، متمثلة في مشروع “النهر الصناعي”، الذي ينقل ملايين الأمتار المكعبة عبر شبكة أنابيب ضخمة تمتد لآلاف الكيلومترات، وهي منظومة باتت تواجه مؤخراً تحديات أمنية وفنية، فضلاً عن تأثرها المباشر بانقطاعات التيار الكهربائي.
تداخل مياه البحر والأمن الغذائي في خطر
ويرى خبراء البيئة أن استمرار الوضع الحالي أدى بالفعل إلى كوارث بيئية في المناطق الساحلية، حيث تسبب الهبوط الحاد في مستويات الآبار السطحية إلى تغلغل مياه البحر المتوسط وتملح الخزانات الشاطئية، مما جعل مياه الشرب غير صالحة للاستهلاك البشري في عدة مناطق بمحيط العاصمة طرابلس والمدن المجاورة.
من جانب آخر، يستهلك القطاع الزراعي ما يقارب 80% من الموارد المائية المتاحة، وهو ما يضع الأمن الغذائي للبلاد على المحك، في ظل غياب تقنيات الري الحديثة والاعتماد على الطرق التقليدية المستنزفة للمياه.
التحرك نحو الحلول البديلة
تؤكد التقارير الدولية على ضرورة إحداث تحول جذري في الاستراتيجية المائية الليبية. وتتصدر الحلول المقترحة ضرورة التوسع العاجل في بناء محطات تحلية مياه البحر على طول الساحل الليبي، وإعادة تدوير ومعالجة مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة، بالإضافة إلى فرض قوانين صارمة لترشيد الاستهلاك وحفر الآبار العشوائية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام تنفيذ هذه المشاريع الاستراتيجية هو توفير الاستقرار السياسي والتمويل المستدام لضمان أمن مائي يحمي الأجيال القادمة من خطر العطش.
زر الذهاب إلى الأعلى